facebooktwitter
AR
EN

العدالة الانتقالية في الإسلام

الجمعة 13 / تشرين ثاني / نوفمبر / 2015

TJCG    

محمد المبروكي*

يشير مفهوم العدالة الانتقالية في جوهره إلى مجموعة التدابير القضائية وغير القضائية التي تطبق في فترات الانتقال التي تعيشها الدولة من حكم استبدادي إلى حكم ديمقراطي أو من حالة حرب داخلية أو خارجية إلى حالة سلم وتهدف في مجملها إلى معاجلة أرث انتهاكات حقوق الإنسان وإظهار الحقيقة والسعي نحو تعزيز السلم الأهلي والمصالحة الوطنية. الكثير من الناس أو الناشطين في مجال العدالة الانتقالية يعتقدون بأنها فكرة حديثة ويستشهدون بتجارب بلدان غربية طبقت مفهوم العدالة الانتقالية بنجاح، ما يوحي بأنها فكرة غريبة لا تمت لمجتمعنا العربي والإسلامي بأي صلة.

العدالة الانتقالية في الإسلام
هناك تجربة رائدة في مجال العدالة الانتقالية في التاريخ الإسلامي، هي تجربة الرسول الكريم (ص)، في فتح مكة، ولربما لم نبالغ بالقول بأنها التجربة الأولى لتطبيق مفهوم العدالة الانتقالية في التاريخ فقد أمر رسول الله(ص) خلال فتح مكة الزّبير أن يدخلها من أعلاها، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أسفل مكّة ونهى عن القتال إلّا لمن قاتلهم، وأذاع الرسول الكريم بين الناس بأن: «من دخل دار أبي سفيان وهي بأعلى مكّة فهو آمن، ومن دخل دار حكيم وهي بأسفل مكّة فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده، فهو آمن”. ودخل رسول الله (ص) مكّة على ناقته القصواء متجهاً إلى المسجد الحرام فخطب بالنّاس من هناك قائلاً: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كلّ مأثرة أو دم أو مال يُدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلّا سدانة البيت وسقاية الحاجّ، فإنّهما مردودتان إلى أهليهما» ثمّ قال: «يا معشر قريش، إنّ الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظّمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خُلق من تراب»، ثمّ تلا: «يَا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ». ثم نادى قريشًا وهم ناكسو رؤوسهم، ينتظرون الكلمة الفاصلة، تخرج من بين شفتيه فقال: «يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟» قالوا: «خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم». إني أقول ما قال يوسف لأخوته: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ} [يوسف: 92]، اذهبوا فأنتم الطلقاء».
وفي مثال آخر من تاريخينا الإسلامي نرى الحسن بن علي رضي الله عنه عندما اندلعت الحرب بينه وبين معاوية وأنصاره من الشام فقد سار الجيشان حتى التقيا في موضع يقال له (مسكن) بناحية الأنبار كان حريصًا على المسلمين وعدم تفرقهم، فتنازل عن الخلافة، لتكون الخلافة واحدة في المسلمين جميعاً، ولإنهاء الفتنة وإراقة الدماء. وقيل كان تسليم الحسن منعاً لاراقة دماء المسلمين.


مبادئ العدالة الانتقالية في الإسلام
من هذه المواقف الإنسانية في تاريخنا الإسلامي، يمكن أن نستشفّ ملامح التّصور العام التي يمكن أن نبنى عليها رؤيتنا لمرحلة العدالة الانتقالية وهي ملامح تقوم على المبادئ الإنسانية التالية:
استبعاد الثأر والانتقام من الخصوم المنهزمين: فقد دعا رسول الله (ص) أصحابه إلى قتال المقاتلين فقط.
مبدأ المساواة التامة بين كافة الناس: لقد ذكّر الرّسول (ص) الجميع بأهمّ مبدأ يجمع البشريّة جمعاء مهما اختلفت أنسابها وأجناسها وديانتها هو المساواة التّامة بين الأفراد في الحقوق والواجبات فلا مجال أن يفتخر أحد على أحد بنسبه أو حسبه، فأساس التّفاضل الوحيد ما يقدّمه كل فرد من العمل الصالح لمجتمعه وللإنسانية جمعاء.


مبدأ الحرية للمعتدين المنهزمين في إطار عفو عام: لقد عرفت العرب في الجاهليّة الأخذ بالثأر، فصارت عندهم ظاهرة متأصلة، وبسببها تدوم الحروب بين القبائل سنين عددا، فجاء الإسلام للقضاء على هذه الظاهرة المفرّقة للجماعات والدّاعية للعداوات، بموقف عملي عبّر عنه الرسول (ص) بقوله: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

مبدأ تأمين المعتدى: وقد أمّن الرّسول (ص) كل من دخل بيته وأغلق بابه وكف يده، على نفسه، وعلى أمواله، وعلى أهله، وعلى كل ما يملك، من كل اعتداء من طرف المؤمنين المنتصرين، الذين عُذِّبُوا وهُجِّروا ونُهبت أموالهم في مكة وهذا الموقف الإنساني النبوي لم تعرف مثله البشرية لا قديما ولا حديثا.

مبدأ رد الحقوق الى أصحابها الأصليين ولو كانوا أعداء ونبذ المحاباة.
مبدأ إعادة الاعتبار المعنوي والمادي للمعتدى عليه : وقد أعاد الرّسول (ص) لكلِّ أصحابه وخاصة الضُّعفاء منهم، الاعتبار إليهم معنويا وماديا، وقد مثّلت عمليّة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار نوعاً من أنواع ردّ الاعتبار ماديا للمؤمنين المضطهدين.


من ما سبق نستنتج بأن العدالة الانتقالية هي سبيل لنا في التخلص من إرث النظام القمعي دون أن نولد مكانه قمع جديد او نفرض مبدء عدالة المنتصر، التي رأينا من خلال الشرح السابق أن الرسول الكريم لم يطبقها على خصومه كفار قريش الذين آذوه وقتلوا صحبه. وسنجد أيضاً بأن «العدالة الانتقالية» تُعد مخرجا استراتيجيا لبناء المجتمع السوري الذي دمرته الحرب على مدى السنوات إن فتح ملفات الانتهاكات التي حصلت قبل الثورة وخلالها سواء عبر عقد لجان حقيقة داخلية أو عبر مبادرات مصالحة وطنية أو حتى إجراء محاكمات وتحقيقات داخل الوطن، سوف يكون الضامن لبناء مستقبل سوريا بعيداً عن الحقد والكراهية التي زرعها النظام فينا لعقود طويلة.

*ناشط حقوقي تونسي