facebooktwitter
AR
EN

العدالة الانتقالية من منظور الملاحقات الجنائية

الجمعة 13 / تشرين ثاني / نوفمبر / 2015

   

د. علي قهوجي*
العدالة الانتقالية مصطلح شائع الاستعمال حاليا، وهو يعني الفترة التي تنتقل خلالها دولة ما من نظام دكتاتوري استبدادي (أو حرب أهلية أو صراعات مسلحة) إلى نظام ديمقراطي مستقر وسلام دائم، كما يعني مجموعة الاجراءات أو التدابير أو الآليات التي تلجأ إليها دولة ما خلال تلك الفترة في سبيل تحقيق هذا الانتقال المأمول. وهو يهدف إلى طيّ صفحة الماضي بعدمعالجات جراحه وآلامه، وتجاوز الانقسام بين أبناء المجتمع وخلق الثقة بينهم وبين الدولة وصولا إلى الوفاق الوطني والمصالحة الوطنية. والتدابير والاجراءات التي يتعين اتخاذها تتلخص في: لجان التحقيق – الملاحقات الجنائية – التعويض – إصلاح مؤسسات الدولة – كريم الشهداء وتخليد ذكراهم.

ولعل من أعقد وأصعب إجراءات العدالة الانتقالية الملاحقات الجنائية نظرا للانتهاكات الخطيرة لحقوق الانسان التي وقعت في ظل الوضع السابق أو تلك التي تقع أثناء المرحلة الانتقالية وكذلك الفساد السياسي والمالي والاقتصادي والاجتماعي من ناحية، والوضع الحقوقي والإنساني للمجني عليهم أو ورثتهم أو ذويهم من ناحية أخرى، والحالة المجتمعية العامة من ناحية ثالثة. تلك الانتهاكات وذلك الفساد ينتج عنه اضطرابا في المجتمع ويثير حفيظة الرأي العام ويجرح مشاعر المجني عليهم وذويهم ويصيبهم بالضرر، ومن ثم يكون من العدل ملاحقة ومحاكمة ومعاقبة المتهمين بارتكاب تلك الجرائم حتى يهدأ الرأي العام وتشفى جروح المجني عليهم وذويهم ونتجنب الانتقام والتشفي فيرتدع الجميع ولا تقع هذه الانتهاكات مرة أخرى في المستقبل. ولكن قد يبدو في الظاهر التناقض بين تحقيق العدالة الجنائية على النحو السابق وتحقيق المصالحة الوطنية بين أفراد المجتمع بعضهم البعض، وبينهم وبين مؤسساته، وبينهم وبين الدولة، نظرا لوجود بعض المبادئ الجنائية الأساسية والمسلم بها في القوانين الجنائية الحديثة وفي المعاهدات الدولية، مثل: مبدأ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص ومبدأ عدم الرجعية إلى الماضي ومبدأ المحاكمة العادلة، ومبدأ مشروعية الإجراءات، ومبدأ يقين الإدانة، ومبدأ تسليم المجرمين، وقيود العفو وضوابطه إلى غير ذلك من المبادئ.

ولكن هذا التناقض ظاهري كما ذكرت لأنه يمكن تطويع هذه المبادئ وما يتلاءم وظروف المرحلة الانتقالية وأهدافها، وبعبارة أخرى يمكن هدهدة هذه المبادئ الصارمة والمحددة والمنضبطة وصياغتها وتفسيرها بما يتناسب مع ظروف تلك المرحلة دون التضحية بها أو الخروج عليها بصفة مطلقة وذلك حتى يمكن تحقيق عدالة جنائية حقيقية من ناحية وتحقيق مصالحة وطنية أيضا من ناحية أخرى. يشكّل التحقيق في الجرائم الدولية والمحاكمة عليها – بما في ذلك جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضدّ الإنسانية وجرائم الحرب – مكوّناً أساسياً للعدالة الانتقالية.

ويجد هذا الواقع جذوره في الموجبات القانونية الدولية التي تعود إلى محاكمات نورمبرج، وقد استُكملت مع المحاكم الجنائية الدولية الخاصّة بيوغوسلافيا السابقة وبرواندا. وتساعد التحقيقات مع القادة ذوي النفوذ (إن سياسيين أو عسكريين) ومحاكمتهم على حدّ سواء في تقوية سيادة القانون، وتبعث برسالة قوية مفادها أنّ الجرائم من هذا النوع لن يُسمح بها مطلقًا في مجتمع يحترم الحقوق. ولا تزال المحاكمات مطلباً رئيسياً للضحايا. ومتى تمّت بأساليب تعكس حاجات الضحايا وتوقّعاتهم، أمكنها أن تضطلع بدور حيويّ في إعادة كرامتهم وتحقيق العدالة. إلّا أنّ الملاحقات القضائية وحدها لا يمكنها تحقيق العدالة بمعزل عن تدابير أخرى. فالطبيعة الواسعة النطاق لهذه الجرائم تُظهر أنه غالباً ما يتعذّر معالجة هذه الأخيرة عبر نظام العدالة الجنائية العادي – ما يولّد “ثغرة الإفلات من العقاب”. وغالباً ما تركّز استراتيجيات الملاحقة الفاعلة الخاصّة بالجرائم الواسعة النطاق على المخططين للجرائم ومنظمّيها، أكثر منه على ذوي المراكز الأقلّ شأناً أو مسؤولية. ومن الممكن أن يساهم تطبيق استراتيجيات الملاحقة القضائية إلى جانب مبادرات أخرى – مثل برامج جبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، والبحث عن الحقيقة – في سدّ “ثغرة الإفلات من العقاب”، بملاحقة الجرائم التي تشمل عدداً كبيراً من الضحايا والمرتكبين. الملاحقات القضائية المحلية إنّ الملاحقة القضائية على الجرائم الدولية قد تُحدِث أثراً أكبر متى تمّت متابعتها محلياً، ضمن المجتمع الذي ارتُكِبَت فيه الجرائم. إلا أنّ المجتمعات الخارجة من نزاع معيّن أو التي تمرّ بمرحلة انتقالية، قد تفتقر إلى الإرادة السياسية لملاحقة على هذه الجرائم، وقد تعجز الأنظمة القانونية أمام حالة مماثلة. حتّى الأنظمة القانونية المتطوّرة – التي تعالج الجرائم العادية بشكل أساسي – قد تفتقر إلى القدرة على معالجة هذه الجرائم بفعالية.

وقد تستوجب هذه المشاكل المساعدة الدولية التي ترتكز على الممارسات الفضلى من أماكن أخرى – مثلاً بتشكيل محاكم “مختلطة” تضمّ شخصيّات فاعلة، دولية ومحلية، في مجال العدالة. وقد أُنشأت هذه المحاكم في سييراليون، وكوسوفو، والبوسنة، وتيمور الشرقية، وكمبوديا. المحكمة الجنائية الدولية في العام 2002، أسّس نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. تعمل هذه المحكمة على التحقيق مع الأفراد المسؤولين عن الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضدّ الإنسانية المرتكبة منذ الأوّل من تموز 2002، وتعمل على محاكمتهم– في الحالات التي تكون الدول فيها غير راغبة أو غير قادرة على القيام بذلك. وبموجب مبدأ “التكامل” المنصوص عليه في نظام روما الأساسي، يبقى من واجب المحاكم المحلية تحقيق العدالة – بحيث تكون المحكمة الجنائية الدولية الملاذ الأخير. وفي السنوات الأخيرة، أدّت المحاكم المحلية هذا الدور بشكل متزايد.

*استاذ القانون الجنائي ورئاسة قسم قانون الجزاء في كلية القانون الكويتية العالمية.